الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

30

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المشهورة على كسر اللامين الثاني والثالث ، ولو كانا لامي أمر لكانا ساكنين بعد واو العطف ، فيتعين أن اللام الأول لام أمر « 1 » لا لام جر . والتقدير فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عبادا لنا ليسوؤا وجوهكم إلخ . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، وأبو جعفر ، ويعقوب لِيَسُوؤُا بضمير الجمع مثل أخواته الأفعال الأربعة . والضمائر راجعة إلى محذوف دلّ عليه لام التعليل في قوله : لِيَسُوؤُا إذ هو متعلق بما دل عليه قوله في وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] ، فالتقدير : فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عليكم عبادا لنا ليسوءوا وجوهكم . وليست عائدة إلى قوله : عِباداً لَنا المصرح به في قوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [ الإسراء : 5 ] ، لأن الذين أساءوا ودخلوا المسجد هذه المرة أمة غير الذين جاسوا خلال الديار حسب شهادة التاريخ وأقوال المفسرين كما سيأتي . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف ليسوء بالإفراد والضمير للّه تعالى . وقرأ الكسائي لنسوء بنون العظمة . وتوجيه هاتين القراءتين من جهة موافقة رسم المصحف أن الهمزة المفتوحة بعد الواو قد ترسم بصورة ألف ، فالرسم يسمح بقراءة واو الجماعة على أن يكون الألف ألف الفرق وبقراءتي الإفراد على أن الألف علامة الهمزة . وضميرا « ليسوءوا وليدخلوا » عائدان إلى عِباداً لَنا [ الإسراء : 5 ] باعتبار لفظه لا باعتبار ما صدق المعاد ، على نحو قولهم : عندي درهم ونصفه ، أي نصف صاحب اسم درهم ، وذلك تعويل على القرينة لاقتضاء السياق بعد الزمن بين المرتين : فكان هذا الإضمار من الإيجاز . وضمير كَما دَخَلُوهُ عائد إلى العباد المذكور في ذكر المرة الأولى بقرينة اقتضاء المعنى مراجع الضمائر كقوله تعالى : وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [ الروم : 9 ] ، وقول عباس بن مرداس : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا فالسياق دال على معاد ( أحرزوا ) ومعاد ( جمّعوا ) .

--> ( 1 ) انظر أول الفقرة وما يجيء بعد في الفقرة الموالية ( الناشر ) .